توبقال.. أعلى قمّة في شمال إفريقيا، ومسار جبلي يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والطبيعة

 توبقال.. أعلى قمّة في شمال إفريقيا، ومسار جبلي يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والطبيعة
الصحيفة من توبقال
السبت 8 نونبر 2025 - 15:24

في قلب الأطلس الكبير الغربي، وعلى مسافة تناهز 80 كيلومترا جنوب مدينة مراكش، ينتصب جبل توبقال، أعلى قمة في شمال إفريقيا، بعلو يناهز 4167 مترا عن مستوى سطح البحر، كتجسيد صارم لقوة الطبيعة وهيبتها. هنا، لا يبدو الجبل مجرد خلفية طبيعية، بل مجالا حيا تتقاطع فيه الجغرافيا بالتاريخ، في منطقة تفرض على زائرها إيقاعا مختلفا، وتدعوه إلى إعادة تعريف علاقته بالمكان والزمن.

يحمل اسم توبقال جذورا أمازيغية، تُحيل في الذاكرة المحلية إلى العلو والهيبة، وقد شكّل الجبل عبر القرون مجالا رمزيا للقبائل المجاورة، خاصة آيت ميزان، التي استوطنت هذه السفوح ونسجت نمط عيش متكيف مع الارتفاع، يقوم على الزراعة المدرجة، والرعي، والتنقل الموسمي.

الطريق إى جبل توبقال تمر عبر منعرجان ودواوير تعكس الحياة البسطية للناس بين جبال الأطلس

ولم يكن توبقال معزولا عن التاريخ، فقد شكّل جزءا من مسارات العبور بين مراكش وسوس، واستُخدمت ممراته في فترات مختلفة لأغراض تجارية وعسكرية، قبل أن يتحول، في القرن العشرين، إلى وجهة عالمية لهواة التسلق، خصوصا بعد أول صعود موثق إلى قمته سنة 1923.

تشكل منطقة توبقال جزءا من المنتزه الوطني الذي يحمل الاسم نفسه، ضمن النفوذ الترابي للجماعة الترابية لأسني بإقليم الحوز بجهة مراكش آسفي، وتضم عددا من الدواوير الجبلية، أبرزها إمليل، التي تُعد بوابة العبور الأساسية نحو القمة، ومركزا بشريا صغيرا يعيش على إيقاع الجبل، بين الزراعة الجبلية، والإرشاد السياحي، واستقبال المغامرين القادمين من مختلف بقاع العالم.

حين تعتزم زيارة توبقال، فإن الرحلة تبدأ من مراكش، المدينة التي تمثل آخر تماس واضح مع المجال الحضري قبل أن ينفتح المشهد على عالم آخر. من ساحة جامع الفنا أو أحياء جليز والمدينة العتيقة، تنطلق الطريق جنوبا عبر الطريق الوطني رقم N7 ثم الطريقين الجهويتين رقم 2030 و2005 ، في مسار يتجاوز ساعتين بالسيارة.

تبدأ الرحلة نحو جبل توبقال من مدينة مراكش، حيث تبدأ سلسلة جبال الأطلس

مع مغادرة ضواحي مراكش، تبدأ الأرض في التغيّر تدريجيا. الحقول المسقية تفسح المجال لهضاب جافة، ثم لمرتفعات تتخللها قرى أمازيغية متشبثة بسفوح الجبال. تمر الطريق عبر تحناوت، أسني، ثم إمليل، حيث ينتهي الإسفلت تقريبا، وتبدأ الرحلة الحقيقية نحو توبقال القمة الجبلية.

بالنسبة للقادمين من خارج المغرب، يشكل مطار مراكش المنارة البوابة الجوية الأقرب، ومنه يمكن استئجار سيارة خاصة، أو الالتحاق بسيارات الأجرة الكبيرة التي تنطلق من باب دكالة أو ساحة المحاميد في اتجاه أسني، قبل استكمال المسار نحو إمليل بسيارة محلية أو نقل مشترك.

الوصول إلى إمليل لا يعني بلوغ توبقال، بل الوقوف عند عتبته، فالقمة لا تُنال بالمركبات، بل بالخطى، وكل خطوة هنا محسوبة، وكل متر ارتفاع يُكتسب بجهد واع

وأنت تشدّ الرحال نحو إمليل، لا تحسب المسافة بالأرقام، بل بما تشعر به يتغيّر في الطريق، كلما اقتربت من قلب الأطلس الكبير، يتباطأ الإيقاع من حولك، الجبال ترتفع أمامك تدريجيا، الهواء يصبح أبرد، والأفق يضيق، كأن الطبيعة تطلب منك أن تنصت لها قبل أن تواصل.

قبل أن تبلغ إمليل، تمر عبر قرى آسني، حيث تصطف أشجار التفاح والجوز على جانبي الطريق، وتطل قرى إيمازيغن متشبثة بمنحدرات جبال الأطلس الكبير، هنا ستلاحظ أن نمط العيش ما زال بسيطا، تقليديا، لم تغيّره السنوات كثيرا، وأن الزمن يسير على مهل، بينما يظل الجبل صاحب الكلمة الفصل.

للوصول إلى أعلى قمة جبلية في المغرب وشمال إفريقيا والعالم العربي لا بد أن تعبر قرى صغيرة جميلة مثل قرية إمليل

مع كل منعطف، تصبح الطريق أكثر التواء، والمسالك أضيق وأكثر وعورة، لكنها في المقابل تمنحك مشاهد بانورامية للأودية العميقة والمنحدرات الخضراء، وحين تصل إلى إمليل، تدرك فورا سبب شهرتها، قرية جبلية صغيرة، معروفة عالميا كنقطة انطلاق نحو تسلّق جبل توبقال تبعده بنحو 15 كيلومترا، لكنها تخفي وراء هذه الصورة حياة ريفية هادئة تمنح الزيارة معناها الحقيقي.

من وسط القرية، تتفرع المسارات أمامك، بعضها قصير، مناسب لساعات من المشي الهادئ بين الحقول والوديان، وبعضها أطول، يتطلب الإقامة لعدة أيام، ويقودك تدريجيا نحو أعالي الجبل، هذه الرحلات لا تُخاض ارتجالا، بل تُنظم عادة برفقة مرشدين محليين، يعرفون تضاريس المكان، ويقودونك عبر المسالك الآمنة، ويضبطون إيقاع الرحلة حسب قدرتك.

وأنت في طريقك نحو القمة، ستمر بمقام سيدي شمهروش، المعروف محليا بـ"ضريح الجن"، أحد أبرز المواقع الدينية في المنطقة، محطة تحمل بعدا روحيا واضحا، وتشكل جزءا من ذاكرة الجبل وساكنته، ولا يمر بها الزائر دون أن يشعر بثقل المكان ورمزيته.

وعلى امتداد المسار، ستصادف لقاءات بسيطة لكنها معبّرة، سكان محليون يعرضون مشروبات تقليدية في استراحات عفوية، تكسر مشقة الصعود وتعيد إليك بعض الطاقة، وعلى مقربة من إمليل، لا يبعد شلال "تانسيفت" سوى بضعة كيلومترات، وجهة مثالية إن كنت تفضل نزهة قصيرة، ومكافأة طبيعية سريعة قبل العودة.

ولا تختزل تجربة إمليل في المشي فقط، يمكنك ركوب الخيل، أو الدراجات الجبلية، أو اختيار الإيقاع الأهدأ منها الجلوس على أحد التراسات المطلة على الجبال، احتساء الشاي المغربي بالنعناع، ومراقبة حركة الغيوم وهي تلامس القمم، دون استعجال.

أما الإقامة في إمليل، فتتنوع بين نُزل جبلية بسيطة ودور ضيافة تقليدية، الأسعار تتراوح غالبا بين 250 و500 درهم لليلة، حسب الموسم والخدمات، هنا، لن تبحث عن الفخامة، بل عن الدفء، غرفة هادئة، سرير يريح جسدا أنهكه الصعود، ووجبة ساخنة في نهاية اليوم، كما أن المائدة الجبلية امتداد للمكان من طاجين باللحم أو الدجاج، خبز شعير، شاي بالنعناع، وحساء دافئ يعيد التوازن بعد يوم طويل، كل شيء يُقدّم بلا تعقيد، لكنه مشبع بمعنى الكفاية.

قبل أن تبدأ رحلتك في اعتلاء قمة توبقال، من المفيد أن تتوقف لحظة عند الإطار العام الذي يحتضن كل هذه المسارات، أنت هنا داخل المنتزه الوطني لتوبقال، أحد أقدم الفضاءات المحمية بالمغرب، أُحدث سنة 1942 على مساحة تناهز 38 ألف هكتار، ليحافظ على التنوع البيولوجي للأطلس الكبير، وعلى الموروث الطبيعي والثقافي الذي تشكل عبر قرون من التعايش بين الإنسان والجبل.

يمتد المنتزه عبر مجالات جبلية وعرة، ويُعد فضاء للاكتشاف والاستجمام والترويح عن النفس، كما يحتضن ثروة حيوانية ونباتية استثنائية، من الأروي المغربي، القرد "زعطوط"، السنجاب، الضربان، الثعلب، إلى جانب طيور الحجل والنسر والعقاب، وزواحف كأفعى الأطلس والحرباء، فضلا عن أنواع نادرة من الفراشات والحشرات، ما يمنحه قيمة بيولوجية وعلمية عالية.

يعد المنتزه الوطني لتوبقال، أحد أقدم الفضاءات المحمية بالمغرب، أُحدث سنة 1942 على مساحة تناهز 38 ألف هكتار، ليحافظ على التنوع البيولوجي للأطلس الكبير

هنا يقف المتحف البيئي للمنتزه الوطني لتوبقال، كأول باب لفهم الجبل قبل دخوله، تبدأ الزيارة من هذا الفضاء المشيد على مساحة 725 مترا مربعا، حيث يُقدَّم المنتزه في صورة مبسطة وواضحة، كما أن الدخول إلى المتحف يشبه فتح خريطة ذهنية للمكان، ما ستراه لاحقا في المسارات، وما ستلمسه في القمم، يبدأ شرحه هنا.

في الجناح الأول، تتعرف على تاريخ وجغرافية المنطقة، صور ولوحات توثّق المجال الجبلي، عينات صخرية تنتمي إلى أزمنة جيولوجية مختلفة، وأدوات وأزياء تقليدية تشرح كيف عاش الإنسان في الأطلس الكبير، وكيف تشكلت علاقة متوازنة بينه وبين الجبل، هذه المرحلة تمنحك مفاتيح قراءة المشهد الطبيعي من حولك.

ثم تنتقل، خطوة بخطوة، إلى الجناح الثاني، حيث يُعرض التنوع البيولوجي للمنتزه، من نباتات، حيوانات، عرض مدروس يرافقه شرح يقدمه منشطو المتحف، يوضح العلاقات الدقيقة بين مكونات المنظومة البيئية من تربة ونبات وحيوان، و مناخ،  هنا تدرك أن كل مسار ستسلكه لاحقاً هو جزء من نظام متكامل.

بعد الجولة، يقودك المسار إلى فضاء آخر لا يقل أهمية، يتضمن منتجات التعاونيات المحلية كعسل الجبل والزعفران وزيوت النباتات العطرية، وهي محطة قصيرة، لكنها تربطك مباشرة بالساكنة المحلية، وتكشف لك كيف تترجم حماية الطبيعة إلى اقتصاد تضامني يساهم في التنمية المحلية.

إذا قررت أن تواصل الطريق نحو قمة جبل توبقال، فاعلم أن الرحلة تُبنى على مرحلتين واضحتين، وكل مرحلة لها إيقاعها وما تتطلبه منك جسديا وذهنيا.. المرحلة الأولى تنطلق سيرا على الأقدام في اتجاه الملجأ الجبلي لتوبقال، الموجود على ارتفاع يقارب 3200 متر، الطريق طويلة نسبيا، إذ تستغرق ما بين خمس وست ساعات من المشي المتواصل، لكنها ليست رتيبة.

ستعبر مناظر جبلية مفتوحة، تمر قرب شلالات صغيرة، وتتقدم عبر ممرات ضيقة تحفّها الصخور،  على طول المسار، ستصادف رعاة محليين وبغالهم المحمّلة بالمؤن، في مشهد يعكس حياة الجبل اليومية، الوصول إلى الملجأ يعني نهاية يوم شاق وبداية مرحلة الاستعداد، حيث تقضي الليل وتستعيد أنفاسك قبل الصعود النهائي.

مناظر خلابة تصادفك في الطريق وأنت بين جبال الأطلس الكبير

المرحلة الثانية تبدأ قبل شروق الشمس..مع الفجر، تغادر الملجأ وتتجه مباشرة نحو القمة، المسار هنا أكثر حدّة، وغالبا ما يكون مغطى بالثلوج، ما يجعل الخطوات أبطأ وأكثر تركيزاً، في هذه المرحلة، لا يكفي الحماس وحده، التحمل البدني والعزيمة هما ما يقودانك إلى الأعلى، يستمر الصعود لبضع ساعات، وكل متر تقطعه يقربك من الهدف.

عند الوصول إلى القمة، يتغير كل شيء.. تتوقف الخطوات، ويتسع الأفق فجأة، من أعلى توبقال، تمتد أمامك إطلالة بانورامية واسعة، ترى فيها تضاريس المغرب تتدرج من قمم الأطلس إلى آفاق بعيدة، في مشهد يمنح معنى واضحا لكل الجهد الذي بذلته في الطريق.

لا يشبه توبقال نفسه في كل الفصول، في الصيف يكون الجبل مفتوحا، والمسارات واضحة، والحرارة معتدلة نهارا، بينما في الشتاء يتحول إلى مجال ثلجي قاس، لا يقصده إلا المحترفون، مع تجهيزات خاصة وخبرة تقنية.. الربيع يمنح المنطقة توازنا نادرا، ذوبان الثلوج، خضرة المدرجات، وتفتح الأزهار الجبلية، أما الخريف، فيحمل ألوانا باهتة وسكونا خاصا، يسبق عودة البرد.

توبقال لا يمنح نفسه بسهولة، ولا يبهرك بالزينة، لكنه يترك أثرا عميقا، صامتا، يشبه الجبل عظمة الجبل نفسه.

الدروس المستخلصة من تنظيم "الكان"!

انتهت بطولة كأس أمم إفريقيا، اليوم، بتتويج المنتخب السنغالي باللقب، حيث رفع قائد أسود "التيرانغا" ساديو ماني الكأس التي سيحملها إلى داكار للاحتفال مع شعبه، وبذلك سيعود الكل إلى حاله بعد ...

استطلاع رأي

هل أنت مع تقديم المغرب لترشيحه من أجل تنظيم كأس أمم إفريقيا 2028؟

Loading...